أراضي الأحلام والبلاد الأم

بالنظر إلى السياقات التاريخية سابقة الذكر، ليس من المستغرب أن يهيمن تصوير المشاهد الطبيعية على التعبير الفني للفلسطينيين. فقد لعبت المنصات الثقافية، كالأدب والمسرح والسينما والرقص والفنون، دورًا هامًا في صقل تصور للمشهد الطبيعي، يتحرك ويُصاغ عبر تشكيل وصياغة الهوية الوطنية. إلا أن تمثيلات المشاهد الطبيعية التي أنتجها الفنانون عبر العقود شهدت تحولات هامة، مع تغير علاقتهم هم أنفسهم بالمشهد الطبيعي، وتغير المشهد الطبيعي ذاته.

هيمن رسم المشاهد الطبيعية على الفن الفلسطيني في أواسط السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، خاصة لدى الفنانين الذين يعيشون في الأراضي المحتلة وفي داخل إسرائيل، ورافق هذه الهيمنة دعوات عدة للمقاومة حملتها ملصقات شهيرة حوت كمًا واسعًا من الرموز الفلكلورية. تزامن التركيز على صور القرى مع إحياء التراث والفلكلور في نهاية السبعينيات. فمع حجب الاحتلال الإسرائيلي للمزيد من أشكال التعبير الوطني، شكلت القرية، بصورتها الريفية، استعارة مناسبة للوطن. لم تكن التصاوير مرتبطة بقرى بعينها، وإنما جمعت عناصر شكلت فيما بينها صورة طوباوية شاعرية. كان من بين هذه العناصر منظر طبيعي للربيع بكامل حلته، وبيوت حجرية، ونساء يرتدين الزي التقليدي، محاطات بالأطفال أو منخرطات في نشاطات منزلية، كالخَبز، وطحن القمح، وحصد المحاصيل والفواكه والزيتون.

تؤدي هذه التمثيلات الشاعرية مهمَّة تحييد الواقع الحالي، وبذلك، ترسم صورة للمستقبل بعدسة طوباوية نوستالجية من الماضي. يعكس التركيز على القرية وفلاحيها ملامح المشهد الطبيعي باعتباره منظرًا محليًا بامتياز. أصبح حضور الشخصية الأنثوية في المشهد الطبيعي بالزي التقليدي الدلالة البصرية الأبرز على الهوية الوطنية. فالأم التي تصير الوطن الأم، تشحن صورة فلسطين برمزية أمومية، كما في لوحة نبيل عناني "أمومة". في هذه اللوحة تم اختزال المشهد الطبيعي في قوس من كروم العنب، وتخلّى ثوب المرأة المطرز عن خصوصيته المناطقية، وتم استبدالها بالألوان الأربعة للعلم الفلسطيني، وتُعدُّ لوحة يافا التي رسمها الفنان سليمان منصور مثالًا على ذلك، إذ نرى فيها شابّة في الزي التقليدي تحمل سلة برتقال، في حين نرى في خلفية الصورة بساتين البرتقال وقد امتلأت بالنساء اللواتي يجمعن الفاكهة. تبدو الشابة في اللوحة وهي تحدق في المسافة كما لو أنها ساهمة في الذكريات.




نبيل عناني، أمومة، 1990، زيت على قماش، 75×85 سم. بإذن من الفنان وجاليري زاوية.
إحدى الأعمال الفنية التي تعكس ثيمة "أراضي الأحلام والبلاد الأم"