المسافات وكل ما تبقى

عمل تيسير بطنيجي، "ترانزيت"، الذي أنهاه عام ٢٠٠٤، يوثق الرحلة من غزة إلى مصر، وكما يصف بطنيجي: "ترانزيت هو جزء من عملية تأمل بدأتها منذ عام ١٩٩٧ حول أفكار السفر والهجرة الطوعية والقسرية. أنا مهتم بشكل خاص بحالة الـ ما بين-بين، بين الهويات، وبين الثقافات". تتناول بسمة الشريف هذه الأفكار المتعلقة بالزمن المختل، والضجر، والانتظار، والـ ما بين-بين، لتكشف كيف تصبح جميعها حالة معاشة. في عملها "نبدأ بقياس المسافة"، تستكشف الشريف حالة الزمن في اللامكان، الشبيهة بالمنفى. يملأ عدد من مجهولي الهوية وقتهم بالقياس، قياس الأجسام والمسافات التي تعبر عن خواء الزمن، وتبرز الوقت الذي يقضيه الفلسطينيون في حالة دائمة من المؤقت. في عمل جواد المالحي "بعدين" يتضاءل المشهد الطبيعي ويختفي أمام أعيننا، حيث ينمحي المشهد وتُجرف كل آثاره عن السطح. تتجمد الأجسام وهي معلقة في الهواء، في وضعيات تشبه مناظر الشباب الذين نراهم في الأماكن العامة. حالة الانتظار الدائمة، والإذلال المتكرر، وثقل الانتزاع الموروث، كل ذلك يحفر أثره على وجوههم وأجسامهم، وهم يجلسون في هيئة باهتة، تبدو وجوههم مألوفة وغير مألوفة لنا في آن. في عمل طارق الغصين، نرى جسمًا منفردًا كان موضوع أعماله في عدة مجموعات فوتوغرافية. يقول الغصين: "فيما تناولت أعمالي [عادة] مواضيع الحواجز، والأرض، والحنين، والانتماء، فإن المجموعة الأخيرة تبتعد عن هذه المفاهيم المقيِّدة/ المحدِّدة، وتركز عوضًا عن ذلك على تصوير الأفكار المتعلقة بالعبور… رغم أن ذلك لم يكن متوقعًا، إلا أن التركيز الشديد على الحنين أدى إلى التفكير في المشهد الطبيعي المتغير واللحظات الفانية الثابتة في الزمن، عوضًا عن تلك المرتبطة بمكان محدد". في عمل لاريسا صنصور "مبنى الأمة" أصبحت فلسطين برجًا شاهقًا، كل طابق فيه مدينة، والسفر فيه يكون عبر مصعد أو مترو، حيث لا يستطيع أحد النزول إلى الأرض، ولا اختبارها حسيًا بعبقها وروائحها وأنسامها. إننا محصورون في كبسولة اصطناعية، أصبحت فيها القدس تصويرًا للأفق ومنتزهًا يحاول محاكاتها. يمكن فهم عمل صنصور في سياق المصادرة المستمرة للأرض وتدميرها، وهدم البيوت. في إعادة إنتاج عامر شوملي لملصق "زوروا فلسطين"، الذي يمر في فيديو صنصور، لا يظهر سوى جزء من قبة الصخرة، إذ يحجب جدار الفصل المنظر. لم يعد بحوزة الفلسطينيين حتى المشهد البعيد المُمجَّد، بل تبقى لهم فقط بعض معالم المنظر المجتزء. الملصق الأصلي صممه الفنان الإسرائيلي فرانز كلاوس عام ١٩٣٦، ونشرته وكالة تطوير صهيونية بهدف التشجيع على الهجرة إلى فلسطين.
 





طارق الغصين، 2007، بلا عنوان 4 ب (سلسة C)، طباعة رقمية، 75×55سم. بإذن من الفنان والخط الثالث، دبي.
إحدى الأعمال الفنية التي تعكس ثيمة "المسافات وكل ما تبقى"