المشهد الطبيعي الذي لم يعد يشبه نفسه

لم يعد في وسعنا التعرف على المشهد الطبيعي بعد الآن. فأعمال كل من سميرة بدران، وتوفيق جوهرية، ولاريسا صنصور، التي ولد كل منها في حقبة مختلفة، تتجاور كلها لتقترح، بصريًا، مشهدًا طبيعيًا ما عاد بالإمكان تمييزه. في عمل سميرة بدران، "القدس"، الذي يعود لفترة السبعينيات عقب احتلال القدس الشرقية، لا تشبه المدينة نفسها، فهي مجزأة إلى مجموعة من الهياكل الموحشة، تحولت فيها العمارة والآثار القديمة إلى تشكيلات ميكانيكية عطبة. مفصولة عن أي مشهد طبيعي محيط بها، تبدو المدينة وكأنها في يوم القيامة. عمل بدران الثاني، والذي يعود إلى الفترة ذاتها، هو بورتريه ذاتي، يبدو فيه باطن الجسم وظاهره وقد أصبحا متداخلين، إذ أصبح القفص الصدري فيه لباسًا، ليكون زينة وتذكيرًا باختراعات السجن والتعذيب في الوقت ذاته. يبدو الجسم شديد الطول هائمًا وحده على خط ساحلي، في مكان غير معلوم. يبدو غزال منال محاميد الفلسطيني، الذي يسمى في حديقة الحيوانات غزالًا إسرائيليًا، كأي غزال عادي، إلا أننا، عند النظر عن كثب، نلاحظ ساقه المبتورة. يبدو الغزال طفرة، منقوصًا ومدجنًا ومروضًا، وشاذًا غريبًا عن حديقة الحيوانات، تحيط به عوازل مختلقة، في فرجة تشمل كائنات من "المشهد الطبيعي البري". يظهر عمل أسد عزّي "صيد 𝐈" عنفًا حيوانيًا في المشهد الطبيعي، العنف الفج والوحشي للهجوم والبقاء. بإظهاره هذه الأعمال العنيفة في اللوحات، يذكرنا عزي بأن المشهد الطبيعي ليس مكانًا للحنين للصورة المثالية، بل هو أيضًا مكان للسلطة والبقاء ضمن تراتبيات المملكة الحيوانية. عمل توفيق جوهرية "مشاهد طبيعية بلا عنوان"، الذي يعود للثلاثينيات، يقدم مشهدًا طبيعيًا فلسطينيًا سورياليًا. هل يمكن أن تكون هذه فلسطين؟ بحيرات صافية، وعمارة كلاسيكية، ومشهد مثالي من أشجار السرو، ومشهد بحري مضاء بنور القمر؟ هذه المشاهد الطبيعية الجديرة بالتأمل تبرز المشهد بوصفه مساحة للتخيلات والأوهام، ومكانًا للأحلام المُسقطة. هذا السؤال المتعلق بخلق المشاهد الطبيعية وتشكيلها محوري في فيلم لاريسا صنصور بعنوان "في المستقبل، أكلوا من أجود أنواع الخزف". يضعنا هذا الفيلم في مشهد طبيعي مستقبلي تتكشف فيه القصة بين زعيمة مقاومة وطبيبة نفسية. في الفيلم، تنطلق جماعة مقاومة لخلق تاريخ مستقبلي لحضارة مُتخيّلة، من خلال وضع أجود أنواع الخزف في المشهد الطبيعي، ليساعدهم في المطالبة بالمكان كشعب قبل أن يتم انتزاعهم منه.

ونعود إلى نقطة البدء، ونسأل: ما هي أحلامنا ورؤانا حول المشهد الطبيعي في الماضي والمستقبل؟
 





-منال محاميد، الغزال الفلسطيني، 2016، ألياف زجاجية، 70x170x200سم.
-منال محاميد، بحر حيفا، 2017، وسائط متعددة، 82x60سم.
بإذن من الفنانة.
إحدى الأعمال الفنية المشاركة تحت ثيمة "المشهد الطبيعي الذي لم يعد يشبه نفسه"