خلفية

لتمثّلات المشهد الطبيعي تاريخ طويل في فلسطين، فقد كانت جزءًا أساسيًا من الممارسات الثقافية، ويمكن العثور عليها في الجداريات، والمنسوجات، والخزف، والبلاط، والفخاريات، والمباني الحجرية، والمرويّات الشعبية، وأسماء الأماكن، والأساطير، والأمثال، نظرًا إلى أن الطبيعة والمشهد الطبيعي كانا جزءًا من الفضاء العامي الشعبي. لم تستجب تمثلات المشهد الطبيعي للأعراف الأوروبية السائدة، والتي تركزت على تمثيل المشاهد والآفاق، وبُنيت على رؤية الفرد الواحد من نقطة مطلة تسمح بمد النظر، بل كثيرًا ما استحضرت هذه التمثّلات إيقاعات وأنماطًا حاضرة في الطبيعة، كما في تطريز المنسوجات، والفخاريات، والبلاط. فقد حوت أزياء النساء الفلسطينيات في أنماطها إشارات دقيقة ومفصلة للطبيعة، وكان لكل قرية ومنطقة أساليبها المتفردة ودائمة التطور، فيما استلهمت أعمال الخزف والبلاط الثروات الحيوانية والنباتية. كما تزخر الثقافة الشعبية بالمرويات والأساطير التي تشير إلى أرواح ذات قوى خاصة تسكن الطبيعة. لم يُرَ المشهد الطبيعي على أنه جماد، فقد اعتُبرت البيئة الطبيعية مسكنًا لأرواح خيرة وشريرة تسبح في الماء، أو تسكن الأشجار والخرائب، ويمكن أحيانًا سماعها أو رؤيتها في هيئة حيوان أو إنسان. وقد استخدم القرويون المشهد الطبيعي كمرجع أساسي في جوانب عديدة من حياتهم اليومية.

مع دخول الرسم بالاستعانة بحامل اللوحات في القرن التاسع عشر، تأثرت تمثّلات المشاهد الطبيعية التي أنتجها الفنانون الفلسطينيون بالتقاليد الأوروبية بشدة، خاصة تمثّلات الأراضي المقدسة. إلا أن أعمال الفنانين الفلسطينيين التي تعود للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والباقية حتى اليوم، تكشف أن هذه التمثّلات كانت مشبعة بالانطباعات المحلية والمعرفة بالمكان، على عكس الزائرين الأجانب الذين كانت تمثيلاتهم للمشهد الطبيعي متأثرة بعمق بمواقفهم الأيديولوجية والسياسية المسبقة.

لفلسطين تاريخ طويل في كونها هدفًا لمطامح الآخرين، ممن رغبوا في غزوها وإعادة تشكيلها. يتضح ذلك من خلال التحولات المُدخلة على المشهد الطبيعي المادي، ومن خلال تصويره كذلك في اللوحات، والصور الفوتوغرافية، والأدب، والخطابات السياسية والدينية. لذا، فقد كُرست صورة فلسطين بوصفها الأراضي المقدسة بكثافة في المخيال الجمعي الأوروبي عبر أشكال متعددة من الإنتاج الثقافي. ارتبطت عملية الإنتاج الثقافي المستمرة هذه بصورة وثيقة بالاستراتيجيات السياسية والاستعمارية، وكانت جزءًا أساسيًا من المطامح الصهيونية في فلسطين. فمنذ قرون، كان سؤال الأرض وتصوير المشهد الطبيعي حاضرًا في قلب استعمار فلسطين. ومنذ تأسيسها، انخرطت دولة إسرائيل في نحت المشهد الطبيعي المادي، وتحويله عبر مشاريع استيطانية ضخمة، ومصادرة للأراضي، وتدمير للمعالم التاريخية، وصاحب كل ذلك حرب ديمغرافية عبر إخلاء الفلسطينيين وطردهم وعزلهم عن بعضهم البعض.

عام ٢٠٠١، بدأت إسرائيل في بناء جدار الفصل العنصري، الذي رافقته مئات الحواجز التي تفصل المدن والبلدات والقرى الفلسطينية، وتقسّم الأراضي إلى سلسلة غير متصلة من الكانتونات. من هذا السياق المشحون يتّخذ المعرض نقطة انطلاقه نحو استكشاف كيف تم تمثيل المشاهد الطبيعية من قبل الفنانين الفلسطينيين على مر العقود.


أراضي البلاد والأحلام
الحنين/الانتماء
التفتيت
وجهات نظر مراوغة
آثار الذاكرة
أركيولوجيا المكان
المسافات وكل ما تبقى
المشهد الطبيعي الذي لم يعد يشبه نفسه
الفضاء الزجاجي