تحيا القدس

مجازياً، يمثل هذا الجزء البحثي من المعرض كيف تتشكل جذور العولمة في مدينة القدس وتفشل، وكيف لهذه المدينة العالمية؛ منبع أديان الأرض التوحيدية الثلاثة، أن تُهجر وتُجرد من الحياة. إن الاحتلال الإسرائيلي، بسياساته الممنهجة في السّيطرة والتهميش والضم، يُهْلِكُ هذا النسيج المتين لقدسٍ عالمية ومتنوعة وتضج بالحياة. وفي حين يُكافح سكان المدينة الفلسطينيون لاستخلاص أبسط حقوقهم، لا يكتفي العالم بتجاهل ما يحصل، بل يقبل الظلم الذي يتعرض له فلسطينيو المدينة دون أي مسائلة. إن إدراكَ فشل النّسخة المعسكرة لمدينة القدس فهمٌ لقصور مدن رئيسية أُخرى، كباريس ولندن ونيويورك، حيث سياسات الفصل والأمن والمراقبة تخنق تنوع نسيجها الحضري والاجتماعي، خالقةً بذلك معيارًا لنظام عالمي جديد خاضعٍ للهيمنة.

يتكون المعرض المركزي من ٥ أقسام تبحث في ظاهرة العولمة كما تشهدها القدس، من منظورٍ اقتصادي وسياسي وإيديولوجي وثقافي. وتلقي الضوء على سبل المقاومة الجمعية التي اتخذها السكان في مواجهة نظام الهيمنة هذا، الذي يحرمهم من حقوقهم ويترك مدينتهم دون حياة. سينصبّ التّركيزعلى إظهار نشاط المؤسسات المدنية في القدس، التي تبنت منهجية مقاومةٍ طويلة الأمد.

إضافة إلى ذلك، ستقدم لنا أعمالُ العديد من رواد الفنانين المعاصرين والقدامى منظارًا طليعيًّا نرى من خلاله كيف حددوا المسائل الأهم فيما يخص مدينة القدس.


ثقافة: الثقافة السائدة، الإعلام وصناعة صورة المدينة

يركز هذا القسم من المعرض على كيفية إظهار القدس وتقديمها بصرياً وثقافياً خلال القرن الماضي. وكما هو الحال مع أي مدينة عالمية، فإن الصّور التي تمثل المدينة تتعرض لعملية إعادة إنتاج وتداولٍ لا نهائي ضمن عجلة الإعلام. أصبحت قبة الصخرة رمزًا يمثل المدينة، ويُنتج بأشكالٍ متعددة: شارات، لوحات إعلانية، تذكارات سياحية، لوحات للمحال التّجارية، وغيرها. بإمكاننا أن نجد اسمي القدس والأقصى يزينان العديد من لوحات المحلات تجارية، والشوارع والطرقات، أو حتى مدنًا أخرى حول العالم. ولطالما أنتجت السينما الفلسطينية والعالمية أفلامًا وثائقية وروائيّة تصوّر القدس. وتثبت المطبوعات التي تتناول القدس كالملصقات والطوابع، أن القدس ورموزها تعرضت لعملية تداول واسعة. يُقام هذا القسم أيضًا بمثابة احتفاءٍ بالأدب وإنتاج المعرفة المتعلقة بالمدينة، ويُظهر تشكيلة مختارة من الكتب، من ضمنها كتب مكتبة البديري التي يعرض بعضها هنا.

أهم ما في هذا القسم، أن الفنانين يقدمون أصواتًا نقدية رصينة، مثبتين أن القدس ليست مجرد أيقونة بعيدة، بل كيانًا مكوّنًا من بشرٍ وحياة.

سياسة وبيئة: الاستعمار، تخطيط السيطرة واستراتيجياتها

في هذا القسم، ينحصر التركيز على سياسات الاستعمار والسيطرة الإسرائيلية المطبقة في القدس منذ احتلالها، والتي تخنق حياة الفلسطينيين في مدينتهم. كيف ينتهي الحلم بقدس عالمية وحرة، إلى مدينة مُسورة ومحدودة؟ ملصقات وفيديوهات بيانيّة معلوماتية مكلّفة أنتجها مصمّم الجرافيك دنيس صبح تزودنا ببيانات وإحصاءات موسعة عن نقاط التفتيش، وهدم المنازل، وسحب الإقامات، وغيرها من الانتهاكات التي تُظهر السياسة الإسرائيلية المستمرة في ضم القدس وإلحاقها. فحي سلوان يعاني بشكل متواصل من مكائد الاستيلاء التي يحبكها المستوطنون الإسرائيليون، ونقاط التفتيش، مثل حاجز قلنديا الشهير بانتهاكاته، تعرقل جميع مداخل المدينة.

سجلت الفنانتان رولا حلواني وسيمون بيتون توسع الجدار، بالصور والأفلام، حين كان بالكاد موضوعًا يعرض في وسائل الإعلام. أنتجت منى حاطوم عملها الفني التّركيبي فعل حاضر باستخدام مكعبات الصّابون، بتمثيلاته لخارطة فلسطين المتناقصة ما بعد اتفاقية أوسلو، وذلك عام ١٩٩٦ خلال إقامة فنية في القدس. رسوم ناجي العلي الكاريكاتورية لا تزال تُقدر وتثبت صحة نبوءتها حتى بعد مضي 30 عامًا على اغتياله؛ وهنا نعرض ١٤ كاريكاتورًا تتناول موضع القدس كان قد أنتجها في الثمانينيات. وفي نهاية هذا القسم، صورة بانورامية متصلة لـ “طوق المستوطنات” الذي يحاصر القدس ويعزلها شيئًا فشيئًا، كُلف بإنتاجها عاهد ازحيمان. يلقي هذا القسم أيضًا الضوء على آليّات المقاومة في عمل بعض المؤسسات والمجموعات، كنادي سلوان، وجمعية الجالية الإفريقية، والجذور الشعبية المقدسية.

اقتصاد: الصّناعة العسكريّة

بنت إسرائيل اقتصادًا تصدره على مستوى عالمي، ألا وهو أنظمة الأمن والمراقبة التي طورتها لخدمة إجراءاتها العسكرية، والتي تُصنع بهدف السيطرة على المدن الفلسطينية، القدس خاصة. تدر إسرائيل من هذه الصّناعة إيراداتٍ بمقدار 6.5 مليار دولار أمريكي، كما يوضح أحد الملصقات البيانية المعروضة في هذا القسم. يجري تطبيع هذه المنظومات وتصديرها عالميًّا، وذلك بعد أن تُختبر على الفلسطينيين في إطار مدينة القدس. وفي الوقت ذاته، يجري العمل على خنق السياحة، فلا نرى دكاكين البلدة القديمة وأكشاكها تصخب بالحياة كما يجب، إذ يُجبر مالكو الدكاكين على دفع ضريبة إسرائيلية باهظة تُدعى "الأرنونا"، فيما يُجبر العديدُ منهم على إغلاق محلاتهم، وعلى هذا النهج يُكبحُ الاقتصاد الفلسطيني ويُحرم من فرصته في الازدهار والتطور بطريقةٍ صحية. عرضت مجموعة CAMP الفنّيّة الموجودة في مومباي فيلمًا أنتجوه باستخدام كاميرات مراقبة، مشيرين إلى نظام "مابات 2000"، وهو نظام مراقبة في مدينة القدس ويستهدف الفلسطينيين. يصوّر عمل بيسان أبو عيشة الفيديو التركيبي الواقع الرّاهن الذي تواجهه الدكاكين في القدس. يعرضُ هذا القسم أيضًا موقعًا إلكترونيًّا يصور نزعة جديدة تُروج لها إسرائيل بين سياحها، حيث ينزلون في معسكرّات يتلقّون فيها تدريبًا لتعلم "محاربة الإرهاب". هذه الوقائع المروعة التي تواجهها القدس وسكانها نتيجةٌ مباشرة للاحتلال الإسرائيلي المستمر وآليات السيطرة التي يستخدمها.

إيديولوجيا: بين المقدس والمُعاش

القدس مهد الديانات التوحيدية الثلاثة، وُجهة الملايين من أتباع الديانات من أنحاء العالم. لطالما حطّ الحُجاج في هذه المدينة على مر التاريخ، كما تبيّن شهادات المسيحيين والمسلمين واليهود التي تعود إلى القرن الثامن عشر والمعروضة هنا. كنيسةُ القيامة التي تعتبر من أهم الكنائس في المسيحية، مهجورةٌ رغم قدسيتها. نعرض هنا واحدةً من أهمّ المنحوتات الثلاثين الخشبية المطعمّة بالصدف التي تمثل كنيسة القيامة وتعود إلى القرن الثامن عشر. إلا أن عدد زوّار هذه الكنيسة التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع لا يُقارب الملايين الخمس والعشرين الذين يزورون كنسية القلب المقدّس في باريس، والتي يبلغ عمرها قرابة المئة عام. في هذه الأثناء، تخطط إسرائيل إلى ضم القدس بالكامل وإعلانها عاصمة للدّولة اليهوديّة. تتضمّن خطورة هذا النهج إنكار تعدّديّة هذه المدينة وفرضَ تهديدٍ مباشر على حياة سكانها الفلسطينيين، وتُطبق سياسة التهويد هذه بصراحة مطلقة. يُعرضُ في هذا القسم فيديو أنتجته إحدى منظمات الاستيطان الإسرائيلية، وفيه تتحدث عن الخطر الديموغرافيّ العربي الفلسطيني الذي تتعرّض له المدينة ومدى الحاجة إلى تقليصه. نجد الدّليل على هذا التوسع الكولونيالي في حيّ سلوان، حيث تمهد أوامر إخلاء الفلسطينيين من بيوتهم الطّريقَ لتنفيذ المخطط الصّهيوني لبناء الحوض المقدس حول البلدة القديمة. تبين الأحداث الأخيرة المتعلقة بإغلاق السلطات الإسرائيلية لباحة المسجد الأقصى والتي أدت إلى أعداد هائلة من المصلين المعتصمين، كيف يستمر الفلسطينيون في مقاومة الظلم. 

ثقافة: القدس كما نتخيّلها

يُخصص القسم الأخير من المعرض المركزي لإبراز أعمال مختارة لفنانين تناولوا القدس بوسائل شاعرية، واحتفوا بحياة المدينة وسكانها في مواجهة ظروفها العصية، ليجدوا في التّجريد ملجأ للحلم بواقعٍ مختلف للقدس، ليتخيلوها حرة، منفتحة ونابضة بالحياة. تصور أعمال العديد من الفنانين المتمرسين مثل كمال بُلّاطة، وسامية حلبي، وسمير سلامة، القدس باعتبارها جنة من الطبيعة والألوان، حرة من العوائق، منتمية للمتخيل الفلسطيني.

نعرض في هذا القسم مجموعة من ١٠ أداءات مختارة للفنانة إملي جاسر، كرستها لأبناء القدس، ومقتطفة من عملها من حيث نأتي (٢٠٠١-٢٠٠٣). نستذكر هنا أيضًا الفقيد الفنان المقدسي فلاديمير تماري، من خلال لوحة تنضح بالحياة، وفيلم كان قد أنتجه بعنوان القدس ليوثق حياة المدينة وأهلها قبل سقوطها عام ١٩٦٧ وبعد احتلالها. في محاولة لاستكمال إبراز الحياة الحقيقيّة التي تشكل حجر أساس القدس، يُختم هذا القسم بنتاج الدعوة المفتوحة التي أطلقها المتحف الفلسطيني وطلب فيه من الجمهور أن يرسلوا صورًا شخصية يظهرون فيها أمام قبة الصّخرة أو أمام باب العمود. وتعرض في الفضاء الزّجاجيّ.

ندعو الزوار للتجول في حدائق المتحف، حيث هذا الإرث الفني مع ١٨ عملًا فنيًا مكلفًا تحاور موضوع القدس، في مصفوفةٍ من المنحوتات الضخمة والأعمال التركيبية التي تحاكي الطبيعة والأرض وتُماهيها، وتدعو للتجذر والانتماء والانفتاح.