"مَدى البُرتقال"
رحلات بصرية في المشهد الطبيعي: ملصقات سياسية فلسطينية مُختارة من مجموعة المتحف

القيّمة: أديل جرار

طالما كان للملصقات دور بارز مرافق للثورات على مدى التاريخ، فهي من أهم أدوات نشر الرسائل السياسية، والأفكار، وحشد الجماعات حول قضية ما، نظرًا لكونها وسيلة فعالة، وغير مكلفة، تُطبع بسرعة باستخدام تقنيات متعددة، كتقنية "أوفسِت"، و"الليثوغرافيا"، ويمكن إغراق مدينة كاملة بها بين ليلة وضحاها، وإحداث الأثر المرغوب بسرعة وفاعلية.

برز دور الملصق السياسي الفلسطيني بين أواسط الستينات وحتى أواخر الثمانينات، كأداة حشد وتعبئة ودعاية خلال الثورة الفلسطينية وفترة الكفاح المسلح، وخاصة بعد تأسيس وحدة الفن والثقافة الوطنية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1965، بقيادة الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط. استخدمت الملصقات كوسيلة لإثبات عدالة القضية الفلسطينية، وفضح جرائم المشروع الاستيطاني – الاستعماري الإسرائيلي وتقويض دعايته. كان ظهور وانتشار هذه الملصقات في الفضاء العام دليلًا مؤكدًا على وجود الفلسطيني، وتحديًا لمن يحاول نفي وجوده، كما كان لها دور مقوّض لصورة الفلسطيني النمطيّة التي تبنّتها بعض وسائل الإعلام الغربية، إضافة لاعتبارها مكانًا مثاليًا لتصوير أرض فلسطين التي فقدها اللاجئ، ولا يعرفها من ولد خارجها، فتشحذ الملصقات خياله حولها. تم إنتاج هذه الملصقات بشكل أساسي خارج حدود فلسطين الجغرافية، وقد منعت السلطات الإسرائيلية إنتاجها ونشرها خلال فترة الحكم العسكري وما قبلها، فطبعت هذه الملصقات في بيروت وتونس، وغيرها من المدن التي انتشرت فيها كوادر منظمة التحرير الفلسطينية حول العالم. ألهمت روح النضال والثورة الفلسطينية في حينها ثورات متعددة وجماعات وحركات سياسية مناوئة للإمبريالية والاستعمار في أصقاع الأرض، وأثارت تضامنًا دوليًا واسعًا، رفدت بذلك المخيلة الثورية العابرة للحدود التي أشعلتها منظمة التحرير الفلسطينية في ذلك الوقت. جمعت القضية بعدالتها حولها الفنانين من كافة أنحاء العالم، واشتملت الملصقات على تصاميم العديد من الفنانين والمصممين، مثل: محي الدين اللباد (مصر)، ضياء العزاوي (العراق)، كاظم حيدر (العراق)، منى السعودي (الأردن)، محمد شبعة (المغرب)، كمال بلاطة (فلسطين)، سليمان منصور (فلسطين)، نبيل عناني (فلسطين)، مارك رودين (سويسرا)، جاك كوالسكي (بولندا)، توشيو ساتو (اليابان)، برهان كركوتلي (سوريا)، يوسف عبدلكي (سوريا)، وغيرهم، والذين أغنت التجربة النضالية تجربتهم الفنية، واستطاعوا تجريب مدارس وأساليب فنية وطرائق جمالية جديدة، إذ لم تكن هناك توجيهات فنية أو جمالية مقيدة من منظمة التحرير الفلسطينية.

قامت عدة معارض فنية ومسابقات حول فن الملصق الفلسطيني وثيمة النضال والتحرير، منها: "المعرض العالمي لفلسطين" الذي نظمته منظمة التحرير الفلسطينية في جامعة بيروت العربية عام 1978، و"المعرض العالمي للملصقات" الذي تم تنظيمه في بغداد عام 1979، وقد اختار المعرض ثيمتان: “نضال العالم الثالث لأجل التحرير"، و"فلسطين ـ وطن مسلوب"، وصمم ملصقه الرئيسي الفنان بيدرو لابريال (إسبانيا). احتوت الملصقات على مواضيع كثيرة تركزت حول الثورة الفلسطينية والعودة، وكان من بين هذه الثيمات: جمال الأرض المسلوبة، والكفاح المسلح والفدائي، وتخليد شهداء الثورة، ووحشية المشروع الاستيطاني – الاستعماري الإسرائيلي، ومعاناة اللاجئين الفلسطينيين، وغيرها. أما الرموز والعناصر الأيقونوغرافية (الرمزية) التي احتوتها فاشتملت على: خارطة فلسطين، والزيتون، والرمان، والبرتقال، والكوفية، والثوب الفلسطيني، ومفتاح العودة، والسلاح، ونقوش التطريز، والحمام والطيور، والفلاح، والزهور، خاصة شقائق النعمان، ولكل من هذه الرموز معنىً وجداني خاص في المخيلة الجمعية الفلسطينية وإرثها الثقافي.

يبحث "مدى البرتقال" في تمثيلات الأرض والجغرافيا والطبيعة الفلسطينية في جزء من الملصقات السياسية الموجودة في المجموعة الدائمة للمتحف الفلسطيني - مجموعة الملصقات السياسية الفلسطينية، وهي منحة كريمة من السفير السابق، علي قزق، وتحوي 540 ملصقًا، صُمِّمت بين أواخر الستينات وحتى أوائل التسعينات.

يحاور "مدى البرتقال" فكرة المشهد الطبيعي، والتغييرات التي شهدتها جغرافيا فلسطين، متمثّلةً حينًا في فوتوغرافيا المستشرقين، وحينًا كجغرافيا مفقودة، وحينًا آخر كحلم، وكانت هذه التغييرات محمولة على كتف المشروع السياسي أو الفكر الأيديولوجي، ومستجيبة له على شكل حالة بصرية ولغة فنية ظهرت في الملصق السياسي الفلسطيني.

يحاول العرض طرح ارتباطات بين أساليب وطرق التمثيل البصري المختلفة للمشهد الطبيعي في الملصق السياسي، فكريًا وجماليًا، وعلاقتها المتذبذبة بالمشروع السياسي والظرف التاريخي. يرفد المعرض سابقه، "اقتراب الآفاق"، ويوفر المجال لاختبار المشهد الحضري والطبيعي بوسيلة فنية إضافية: الملصق السياسي.

يأتي "مدى البرتقال" في 7 أقسام، تم تقسيمها، أيقونوغرافيًا (رمزيًا) أو موضوعيًا، إلى: بذور التحرر، والنضال كفعلٍ مؤنث، والدمار كمشهد، وفلسطين تتجلى، وفدائي، وزهر وحنون، وردّ البرتقال. وتعرض الأقسام طرقًا مختلفة استخدم فيها هذا الرمز أو ذاك الموضوع، وعلاقته بالمشهد الطبيعي.

استلهم الاسم "مدى البرتقال" من مذكرات الشاعر الفرنسي جان جينيه، والتي يتحدث فيها عن رؤيته لأضواء الجليل في المدى من الحدود الأردنية، أثناء تخييمه مع الثوار الفلسطينيين أوائل السبعينات حين انضم للثورة.

المجموعة الأولى:
بذور التحرر
 بفقدان الفلسطينيين أرضهم ووسائل إنتاجهم ومصادر ثروتهم الذاتية، التي وفرت لهم الاستقلالية والاستدامة، مع حلول النكبة عام 1948، فقدوا أيضًا جزءًا مهمًا من هويتهم كمجتمع زراعي فلاحيّ في الغالب. ومن هنا، رأت منظمة التحرير الفلسطينية، بمختلف فصائلها، الزراعة كأداة مقاومة لا تقلّ أهمية عن المقاومة بالسلاح، مستلهمين من الثورات الزراعية في إيرلندا والصين، وبخاصة الأحزاب الفلسطينية اليسارية. صدرت عدة ملصقات حول ثيمة الإنتاج الزراعي من مؤسسة صامد، والتي أسستها منظمة التحرير في العام 1970 لتكون نواة للإنتاج الاقتصادي والزراعي، وكيانًا يوفر فرص عمل للفلسطينيين خارج حدود فلسطين.

المجموعة الثانية:
النضال كفعلٍ مؤنّث
 تمثلت صورة المرأة بشكلين مختلفين في الملصقات الفلسطينية، فمرةً كانت صورة امرأة "معاصرة" عاملة، أو مقاتلة، أو صاحبة دور من الأدوار التي تمارسها للمساهمة في بناء فلسطين والمشاركة في الكفاح المسلح، بشكل مستقل ومتساوٍ مع نظيرها الرجل، ومرةً كانت صورة مثالية تُضفي عليها هالة من القداسة، كأمٍّ ترتدي ثوبًا مطرزًا، ويقتصر دورها على دعم النضال، أكثر من كونها عنصرًا فاعلًا فيه، وفي هذا التمثيل كثيرًا ما كانت الأم تمثّل فلسطين، الوطن الأم. اختلفت هذه التمثيلات بحسب الحزب الذي قام بتصميم الملصق، فنرى أن الأحزاب ذات الفكر اليساري استخدمت التمثيل الأول حصريًا تقريبًا، بينما استخدمت غيرها من حركات التحرر الوطني التمثيلين في آن معًا. وتحولت بعض الملصقات التي ظهرت فيها نساء إلى أيقونات ثورية، كملصق يحمل صورة المناضلة ليلى خالد.

المجموعة الثالثة:
الدمار كمشهد
فقد اللاجئ الفلسطيني، بعد تشريده من أرضه عقب النكبة، علاقته البصرية المباشرة بالمشهد الطبيعي الفلسطيني والجغرافيا الفلسطينية، ليحتل "مشهد لا طبيعي" آخر وجدانه: خيم اللجوء، وإسمنت المخيم، والمجازر البشعة التي اقتُرفت بحق الفلسطينيين، وخاصة خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي للبنان في الثمانينات. أصدرت الكثير من الملصقات التي وثقت لهذه المجازر ولهذا المشهد اللاطبيعي الجديد.

المجموعة الرابعة:
فلسطين تتجلّى
تم تمثيل المشهد الطبيعي الفلسطيني في الكثير من الملصقات بطريقة "جذابة – picturesque"، وأحيانًا شاعرية، لتضفي صورة طوباوية عن فلسطين في وجدان الفلسطينيين في الشتات. كما أصدرت عدة ملصقات حول الطفولة المسلوبة، وأخرى لفلسطين بعيون الطفولة: من الممكن أن يعني المشهد الطبيعي لطفل ما الطريق التي يقود عليها دراجته. وهكذا، أضحى المشهد الطبيعي في المخيال الفلسطيني نقيضًا مقاومًا لمشهد الدمار الواقعي المحيط.

المجموعة الخامسة:
فدائي
أصدرت منظمة التحرير الفلسطينية العديد من الملصقات التي تزاوج بين صورة الفدائي الملثم وسلاحه والمشهد الطبيعي الفلسطيني، وتربط بينه وبين الجذور، والشجر، والشمس، وعناصر أخرى كثيرة من المشهد الطبيعي، كنوع من تأكيد فكرة أن استعادة الأرض تأتي عبر النضال، وكوسيلة لتأكيد ارتباط الفدائي العضوي بالأرض التي يقاتل من أجلها.

المجموعة السادسة:
 زهر وحنّون
 ترمز الزهور الحمراء، وخاصة الحنّون (شقائق النعمان)، في تراث الكثير من الشعوب إلى الموت، وقد وردت في أساطير كثيرة، منها أسطورة الإله الكنعاني أدونيس، وكثيرًا أيضًا في الشعر. استخدمت زهرة الحنّون، التي تُرى على مدّ البصر في السهول والجبال الفلسطينية، في الملصقات كرمز من الرموز الوطنية التي تعبر عن الهوية الوطنية، ولخلق لغة بصرية تخصها، وأما عن معناها في الموروث الشعبي، فهي ترمز للدماء والشهداء والحب. استخدم هذه الرمزية كثير من الكتاب والشعراء الفلسطينيين، ومنهم محمود درويش في قصيدة "نزف الحبيب شقائق النعمان":

نَزَفَ الحبيبُ شقائقَ النعمان،

فاصفرَّتْ صخورُ السَّفْحِ من

وَجَع المخاض الصعبِ،

واحمرَّتْ،

وسال الماءُ أَحمرَ

في عروق ربيعنا...

أُولى أغانينا دَمُ الحُبِّ الذي

سفكته آلهةٌ،

وآخرُها دَمٌ سَفَكَتْهْ آلهةُ الحديد...
 
المجموعة السابعة:
 ردُّ البرتقال
استُعيد البرتقال كعنصر أيقونوغرافي (رمزي) خاص بالهوية البصرية الفلسطينية بعدما تم تسويق برتقال يافا كمنتج وعلامة تجارية إسرائيلية، وظهر في العديد من الملصقات الصهيونية التجارية بشكل مبكر منذ منتصف العشرينات من القرن الماضي. ظهر البرتقال كرمز وطني في لوحات وملصقات صممها كلٌّ من سليمان منصور وجمال أفغاني، وظهر أيضًا على شكل "البرتقال الفاعل"، ككناية عن الهوية الفلسطينية المعاصرة المكافحة، فاستخدم في الملصقات كسلاح، تارة يهدم جدارًا، وتارة يكسر سكينًا كما في ملصقات صممها مارك رودين (جهاد منصور)، وبعض ملصقات حلمي التوني.