الحنين/ الانتماء

خلال الانتفاضة الأولى (١٩٨٧- التسعينيات)، ابتعد عدة فنانين عن استخدام الألوان الزيتية، واتجهوا نحو التجريب بالمواد الطبيعية، وانخرط العديد منهم في محاولات إيجاد طرق تعبير بعيدة عن الوسائط الكلاسيكية التي تدربوا عليها. هذه المحاولات اتصلت أيضًا بقرار وقف استخدام المواد المستوردة من إسرائيل، كجزء من حركة شعبية أوسع سعت لمقاطعة الاحتلال واقتصاده ومؤسساته. لم تكن المشاهد الطبيعية الحالمة تُمثل من خلال حقل اللوحة المتخيل التصويري، بل عبر انتشاء حسي بملمس أرض الوطن ورائحته اللذين خلقهما الفنانون باستخدام المواد الطبيعية، كالطين، والصبار، وأوراق الزيتون، والصلصال، والحناء، وصابون زيت الزيتون، والبرتقال، والماء. كل هذا العناصر تخللت لوحاتهم المرسومة، والأعمال متنوعة الوسائط، والأعمال التركيبية، التي امتدت خلال التسعينيات وما بعدها. فنانون مثل سليمان منصور، وتيسير بركات، وفيرا تماري، ونبيل عناني، وخليل رباح، ورنا بشارة، وناصر السومي، وغيرهم، قدموا أعمالًا تجريبية بالمواد الطبيعية. فعلى سبيل المثال، استخدم تيسير بركات الخشب والأجسام التي عثر عليها، ونقش على سطح الخشب أشكالًا مجرّدة للناس والحيوانات، لينقل العمل شعورًا بأنه مخطوطة أو لوح هيروغليفي قديم، يعيدنا إلى التقاليد البصرية القديمة للمنطقة، ويوحي بأنه قطعة من بقايا أثرية. وفي مثال آخر، صنع نبيل عناني عمله من الجلد المصبوغ الذي يظهر فوقه مشهد لقرية.

عمل "جفنا" للفنان سليمان منصور هو أحد الأمثلة التي لا تُمثَّل فيها النظرة الطوباوية للمشهد الطبيعي من خلال صور ريفية شاعرية كما في أعماله السابقة، إنما من خلال مناشدتها لحواسنا. فالحضور الكثيف لحاسة اللمس في هذه الأعمال، والأسطح كثيرة القشور، والمساحات ذات الألوان المتلألئة، تحاكي جميعها أثر مرور أشعة الشمس والظلال على الصخور والتراب. هذا الشعور بالدفء والحرارة يتسرب من العمل، ويستثير نوستالجيا المشهد الطبيعي. يحكي عمل "مسكونة"، لجمانة عبّود وعيسى فريج، عن الحنين والانتماء، وعن تيه وبحث مستمرين وعميقين في المشهد الطبيعي. هذه الثيمة المتعلقة بإعادة استكشاف علاقة مع المشهد تتردد في فيديوهات عبود ورسوماتها ولوحاتها. ففي رسوماتها، تندمج الشخوص والمنظر في حيز واحد، فالأجساد الأنثوية، والغيلان، والكائنات الغريبة، والبشر، ليست عناصر منفصلة بالكامل، بل كلها أجزاء أساسية من المشهد ومن بعضها البعض. تنقل أعمالها إلينا شعور المرور بالمشهد، شعور التوقف عن التعاطي مع حميميته ودهشته، إلا أنها تبدو كذلك مشبعة بنوع من الحنين. في كتابه "عن الحب ومشاهد أخرى"، يربط يزن خليلي بين سلسلة من الصور الفوتوغرافية للمشهد الطبيعي وقصة حب حميمة. تأخذنا الصور في رحلة عبر التلال والوديان والآفاق والأماكن اليومية، بينما نقرأ عن الانفصال وذكريات علاقة الحب التي تتكشف مع كل صفحة. ومع مرورنا عبر المشهد الطبيعي، تتكشف التفاصيل الشخصية لقصة الحب، لتنقل لنا إحساسًا بالانفصال والحب الضائع.




جمانة إميل عبود وعيسى فريج، مسكونة، 2017، صورة من فيديو.بإذن من الفنانين.
إحدى الأعمال الفنية التي تعكس ثيمة "الحنين/الانتماء"