ورشة تفاعلية باستخدام فنّ الأداء: أشخاص عبر الزّمن
مع الفنّانة رهام إسحق

ورشة أشخاص عبر الزمن، مع الفنانة الأدائية رهام اسحق بدأت الورشة في 18 حزيران 2020 واستمرت لمدة 9 لقاءات حتى 10 آب 2020، وضمت 10 مشاركين عبر زووم، تطرقت الورشة إلى فكرة الأعلام والشخصيات الفلسطينية التاريخية، والمستلهمة من مشروع المتحف الفلسطيني "رحلات فلسطينيّة"، و"أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي"، وقام المشاركون بإعادة إنتاج هذه المواد بطُرقٍ فنّية مُبتكرة حيث قامت الورشة على استلهام هذه المنصّة وإعادة إنتاج الشّخوص التّاريخيّة الواقعيّة ضمنها، عبر فنّ الأداء، بطُرقٍ مُغايرةٍ ومُعاصرة.

ينفذ مشروع "رحلات فلسطينية" بالشراكة مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ويمول مشروع "أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي" من صندوق أركيديا، وهو صندوق خيري تأسس على يد ليزبيت راوسينغ وبيتر بالدوين.  

مخرجات الورشة



















المخرجات الكتابية للورشة
اسم الشخصية المُختارة: إدوارد سعيد
اسم العمل : سعيد يكتب قلقاً ( نص)
أداء: أسيل حسين

"سعيد يكتبُ قلقاً ": هي مساهمة كتابية، تحاول أن تعرض قلق سؤال الذات والهوية لدى المفكر الفلسطيني " إدوارد سعيد"، وذلك في سياق كتابه خارج المكان، وتتطرق أيضاً إلى بعضٍ من سطور الكتاب، في محاولةٍ للوقوف عند عددٍ من المعاني التي يشاركنا فيها سعيد جملة من أحداث حياته، والمشاعر التي تخالجُ الإنسان في غربته ومنفاه. فيكتب كمحموم يبوحُ ما كابده في وجودٍ لطالما سائله بإلحاحٍ عن هويته. إلى أن يجد ضالته في الكتابة والفكر واللغة، ويتعزى بالأدب والفلسفة.

سعيد يكتبُ قلقاً
إدوارد سعيد، المفكر الفذَ والناقد الحاذق، الذي لم أتردد في اختياره فور اطلاعي على قائمة الأعلام من المادة الأرشيفية المعروضة على موقع المتحف الفلسطيني، حينما طلب منا كمشاركين، في ورشة "أشخاص عبر الزمن" بإشراف الفنانة رهام إسحق وبالتعاون مع المتحف الفلسطيني، اختيار شخصية فلسطينية لنقوم بإنتاج عمل فني حولها. ما أن باشرتُ بالقراءة والبحث حول سعيد وأعماله، وقع في يدي كتابه خارج المكان، الكتاب الذي يعتبر سيرة ذاتية حميمية وجريئة، يبوحُ فيها سعيد عن مشاعره المضطربة التي طالما رافقته خلال تنقله الدائم في عدد من الأماكن كالقدس والقاهرة ولبنان والولايات المتحدة الأمريكية. فيشعر القارئ في مجمل حديث سعيد عن أحداث حياته من شغب الطفولة في القدس والقاهرة، وشبابه المتنقل بين الولايات المتحدة ولبنان، ومن ثم عمله كأستاذ وناقد أدبي في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، وأخيراً بمرضه بسرطان الدم، أن مفاهيم كالهوية والمنفى والكتابة واللغة حاضرة دائماً في فكر وذاكرة سعيد، وهذا ماتشي به معظم أعمال سعيد.

 في مقدمة خارج المكان، يكتب سعيد: " وأما في حالتي أنا، فالفارق بين الإنجليزية والعربية يتخذ شكل توتر حاد غير محسوم بين عالمين مختلفين كلياً بل متعاديين: العالم الذي تنتمي إليه عائلتي وتاريخي وبيئتي وذاتي الأولية الحميمية – وهي كلها عربية – من جهة، وعالم تربيتي الكولونياليّ وأذواقي وحساسياتي المكتسبة ومجمل حياتي المهنية معلماً وكاتباً من جهة أخرى. لم يعُفني هذا النزاع يوماً واحداً، ولم أحظَ بلحظةِ راحةٍ واحدةٍ من ضغط واحد من هاتين اللغتين على الأخرى، ولا نعمتُ مرةً بشعور من التناغم بين ماهيتي على صعيد أول وصيرورتي على صعيد آخر" (سعيد، 10). بهذه الكلمات افتتح سعيد حديثه عن قلقه الدائم وسعيه المتواصل لإيجاد إجاباتٍ ترشد سبيل هويته.
إن التجارب التي ينقلها سعيد عن وسطه الاجتماعي والبيئات المختلفة التي عاش فيها، تكشف أن تصوراته للعالم من حوله ولنفسه قد شُكلت في سياقات مختلفة، والتي أورثته شعوراً بأنه في غير مكانه كما أشار إلى ذلك في أكثر من موضع. بيد أن أول ما أدركه وعاناه إدواراد من هذا الإنشطار للهوية هو اسمه، والذي ركب من اسم انجليزي معروف ومن اسم عربي تقليدي، فكانت تركيبة اسمه غير المتجانسة، محل تهكم أقرانه في المدرسة مذكرينه بغرابة اسمه وهويته. سعيد لايخفي هذه الغرابة أيضاً فهو لم يكن من السهل عليه تفهم هذه العلاقة بينهما، مما عمق إحساسه بارتباك الهوية سواء كان ذلك بوعي أو قصد أو دونما، كما عبر سعيد عن ذلك.

يستطرد سعيد الحديث عن عائلته وتنشئته،  ليستشف القارئ محاولات عائلته الحثيثة بإلحاقه بهوية غربية أجنبية مصطنعة، بدءاً بتنقله المستمر بين المدارس الكولونيالية في القاهرة ولبنان، ومن ثم حرصهم على  إرساله إلى الولايات المتحدة ليكمل تعليمه في سن الخامسة عشر. في هذا الصدد يقول سعيد: "تخترع جميع العائلات آبائها و أبناءها، وتمنح كل واحدٍ منهما قصة وشخصية ومصيراً، بل إنها تمنحه لغته الخاصة، وقع خطأ في الطريقة التي تم بها اختراعي وتركيبي في عالم والدي وشقيقاتي الأربعة".
بتكشّف خطاب سعيد في خارج المكان، يوحي النص بأن الكاتب تمرد على هذه التنشئة بهروبه إلى الكتابة والقراءة النهمة، محاولاً أن يشكل وعيه بطريقته الخاصة بعيداً عن أية تدخلات، وأن يرمم هويته القلقة. في هذا السياق كتب سعيد:" كنت أسعى للإنعتاق من الأقفاص المختلفة التي حبست فيها ... كنت دائماً أتناوص من خلف الأبواب المشقوقة، وأطالع الكتب باحثاً عما أخفي عني .. وأنقب في الإدراج والخزائن ورفوف الكتب والأظراف البريدية وقصاصات الورق، علني أجد شخصياتٍ تتلاءم خلاعتها الآثمة مع شهواتي .. وسرعان ما شغفت بفعل الاستكشاف الذي توفره القراءة". من خلال هذه السطور، يصف سعيد كيف وجد ضالته، ليهرب قليلاً من حالة اللانتماء إلى مكانٍ واحد، التي ما كانت دائماً تخالجه، فكانت لغته هي الوسيلة التي وظفّها بكثيرٍ من التفرد والتميز على مستوى سلاح الخطاب لمجابهة هذا الشعور.

تجود الأدبيات بكثيرٍ من الأمثلة التي تفصح بأن سؤال الهوية كان حاضراً دائماً ومحط اهتمام لدى كثير من الباحثين والكتاب والشعراء، فسؤال "من أنا؟" تساءل حوله البشر منذ بدء الخليقة، كونه سؤال مقلق للكثير من النابهين الباحثين عن ذواتهم. من الأمثلة البارزة على ذلك المتنبي وقوله في إحدى قصائده: " على قلق كأن الريح تحتي . . أوجهها جنوباً أو شمالاً" .
وكان للأدب الفلسطيني نصيبه أيضاً،  فلا تغيب عن ذاكرتنا، الأبيات التي رثى بها محمود درويش رحيل إدوارد سعيد في قصيدة طباق قائلاً " يقول: أنا من هناك. أنا من هنا  ولستُ هناك, ولستُ هنا  لِيَ اسمان يلتقيان ويفترقان ولي لُغَتان, نسيتُ بأيِّهما كنتَ أحلَمُ  لي لُغةٌ انكليزيّةٌ للكتابةِ  طيِّعةُ المفردات  ولي لُغَةٌ من حوار السماء مع القدس, فضيَّةُ النَبْرِ لكنها لا تُطيع مُخَيّلتي والهويَّةُ؟ قُلْتُ  فقال: دفاعٌ عن الذات  إنَّ الهوية بنتُ الولادة لكنها  في النهاية إبداعُ صاحبها, لا وراثة ماضٍ. أنا المتعدِّدَ... في  داخلي خارجي المتجدِّدُ. لكنني أنتمي لسؤال الضحية. لو لم أكن من هناك لدرَّبْتُ قلبي على أن يُرَبي هناك غزال الكِنَايةِ  فاحمل بلادك أنّى ذهبتَ وكُنْ نرجسيّاً إذا لزم الأمرُ منفىً هوَ العالَمُ الخارجيُّ  ومنفىً هوَ العالَمُ الباطنيّ فمن أنت بينهما؟